
من الطبيعي أن يتوقع السياسي الذي يرى نفسه مهندسًا للسلام أن يصفّق له العالم؛ وإذا مُنح جائزة نوبل للسلام أيضًا، فذلك أفضل وأفضل! لكن المشكلة تبدأ عندما تتسع المسافة بين الادعاء والواقع إلى حدٍّ تُقاس فيه هذه المسافة بأرواح البشر.
لطالما ادّعى دونالد ترامب أنه أسهم في إنهاء ثماني حروب أو نزاعات، ورأى نفسه مستحقًا لجائزة نوبل للسلام. لكن مجرد إحصاء الاتفاقيات لا يثبت، في حد ذاته، تحقق سلام دائم؛ ولا سيما عندما يكون دوره في بعض الاتفاقيات موضع خلاف، وتظل النزاعات مستمرة.
في 9 أكتوبر 2026، انتقد ترامب، خلال تجمع جماهيري في مدينة سيراكيوز بولاية نيويورك، عدم منحه الجائزة، ووصف هذا القرار بأنه وصمة لا تُمحى من سمعة النرويج. وقد مُنحت جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لنافي بيلاي، القاضية من جنوب أفريقيا والمفوضة السامية السابقة للأمم المتحدة لحقوق الإنسان؛ وهي شخصية يرتبط سجلها بالعدالة الدولية والسعي إلى مساءلة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.
ويذكّرنا هذا الاختيار بالفرق بين الرغبة في الحصول على جائزة للسلام وبين الالتزام بمعايير السلام والقانون والعدالة.
المصادر:
تقرير أسوشيتد برس عن تصريحات ترامب:
https://apnews.com/article/a4e7a7a83ddd09dda9e92a72af2739da
الإعلان الرسمي للجنة نوبل:
https://www.nobelpeaceprize.org/press/press-releases/nobel-peace-prize-for-2026
لكن تقييم ادعاء الدفاع عن حقوق الإنسان لا يتطلب منا الاكتفاء بالاستماع إلى الخطب؛ بل ينبغي أن ننظر إلى الوقائع المؤلمة.
مينيابوليس؛ عندما تواجه الرواية الرسمية الصور
قُتلت رينيه غود، وهي مواطنة أمريكية تبلغ من العمر 37 عامًا وأم لثلاثة أطفال، في مينيابوليس يوم 7 يناير 2026 على يد أحد موظفي إدارة الهجرة. وقد وصفها مسؤولون في الإدارة الأمريكية بأنها تمثل تهديدًا عنيفًا؛ لكن فحص الصور المنشورة من زوايا متعددة أثار تساؤلات جدية بشأن الرواية الرسمية. وأظهرت الصور أن السيارة كانت تتحرك وأن عجلاتها كانت متجهة بعيدًا عن الموظف، رغم أن التفاصيل الكاملة للمواجهة بين الموظف والسيارة لم تتضح بصورة قاطعة.
وبعد أسابيع، قُتل أليكس بريتي، وهو مواطن أمريكي يبلغ من العمر 37 عامًا ويعمل ممرضًا في وحدة العناية المركزة، وذلك في 24 يناير. وأظهرت الصور أنه كان يحمل هاتفًا محمولًا واقترب من امرأة كان الموظفون قد طرحوها أرضًا؛ ثم رُشّ برذاذ الفلفل، وأُسقط أرضًا، وأطلق الموظفون النار عليه. كما أظهرت الصور التي خضعت للفحص أن سلاحه الناري الشخصي أُزيل من جسده قبل إطلاق النار عليه. وقد أثارت هذه الأدلة تناقضات جدية مع الروايات الأولية للمسؤولين الفيدراليين بشأن التهديد الذي زعموا أنه شكّله.
هذه الأدلة لا تحل، بمفردها، محل حكم قضائي نهائي؛ لكنها كافية للمطالبة بتحقيق مستقل، ونشر الأدلة، ومساءلة المسؤولين. فإذا أدانت الحكومة القتلى وبرّأت الموظفين قبل اتضاح الحقيقة، حلّت الدعاية محل العدالة.
حقوق الإنسان ليست اختبارًا يُجرى للمعارضين السياسيين وحدهم؛ فالاختبار الحقيقي هو كيفية تعامل السلطة مع الإنسان عندما يقف في مواجهتها.
المصدر:
تحقيق رويترز بشأن التناقض بين روايات مسؤولي الهجرة والأدلة المتعلقة بست مواجهات عنيفة، من بينها الحادثتان المميتتان في مينيابوليس:
https://www.reuters.com/world/us/evidence-contradicts-trump-immigration-officials-accounts-violent-encounters-2026-01-27/
ميناب؛ عندما يكون الضحايا أطفالًا وتبقى أسئلة المسؤولية قائمة
في 28 فبراير 2026، تعرضت مدرسة شجرة طيبة الابتدائية للبنات في ميناب لهجوم. ووفقًا لنتائج بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة، التي نُشرت في سبتمبر، قُتل في الهجوم 156 مدنيًا، من بينهم 120 طفلًا. وأعلنت البعثة أن هناك أسبابًا معقولة للاعتقاد بأن الولايات المتحدة مسؤولة عن الهجوم، وأن الأدلة تثير احتمال ارتكاب جريمة حرب.
ووفقًا لتقرير البعثة، أدت معلومات غير صحيحة أو غير محدّثة بشأن وجود قائد عسكري في الموقع دورًا في تحديد الهدف. وتمثل هذه النتائج تقييمًا صادرًا عن هيئة دولية لتقصي الحقائق، وليست حكمًا نهائيًا صادرًا عن محكمة جنائية؛ ومع ذلك، فإن خطورة الاتهام تؤكد ضرورة نشر التحقيق كاملًا ومساءلة المسؤولين.
ولا تزال الأسئلة قائمة: من الذي حدّد الهدف؟ وإلى أي مدى كانت معلومات الاستهداف موثوقة ومحدّثة؟ وما الإجراءات التي اتُّخذت لحماية الأطفال؟ ومن المسؤول عن القرارات وعن عواقبها؟
إن إنكار المسؤولية أو الإعلان عن إجراء تحقيق لا يشكل، في حد ذاته، جوابًا عن هذه الأسئلة. ومن حق الرأي العام أن يعرف ما الذي حدث، ومن اتخذ القرارات، وما إذا كان المسؤولون سيخضعون للمساءلة أمام القانون.
إذا كان أطفال ميناب قد لقوا حتفهم تحت الأنقاض، فلا يمكن لأي شعار سياسي أن يحوّلهم إلى أرقام لا قيمة لها في تقرير عن الحرب. فالأطفال الإيرانيون، شأنهم شأن الأطفال الأمريكيين، لهم الحق في الحياة؛ ولا تتوقف قيمة حياتهم على جنسيتهم أو حكومتهم أو الموقف السياسي لعائلاتهم.
المصدر:
تقرير صحيفة الغارديان عن نتائج بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة:
https://www.theguardian.com/world/2026/sep/17/iran-school-bombing-un-mission-us-military-behind-attack
السلام ليس مسابقة دعائية
تكمن المفارقة المريرة في أن السياسي يستطيع أن يصف نفسه بأنه عدوّ للحرب، ويعرض قائمة بالنزاعات التي انتهت، ويطلب من العالم أن يخصص له جائزة للسلام؛ لكن عندما يُقتل مواطنون في بلاده خلال مواجهات مع موظفي الحكومة، ويفقد أطفال في بلد آخر حياتهم جراء هجوم، يبقى السؤال الأساسي مطروحًا: هل السلطة مستعدة للاعتراف بالحقيقة بشأن أفعالها؟
ليس التاريخ سجلًا دعائيًا لأي سياسي يستطيع أن يمحو الإخفاقات الإنسانية بمجرد تدوين بعض الانتصارات فيه. وحتى إذا أسهم سياسي في إنهاء نزاع ما، فإن هذا الإنجاز لا يمنحه حصانة أخلاقية، ولا يُبطل التساؤلات بشأن الحروب التي كان له دور فيها.
السلام ليس مسابقة لعدّ الاتفاقيات؛ بل هو اختبار لقيمة حياة الإنسان، ولا سيما حياة أولئك الذين لم يشاركوا في قرار بدء الحرب، ولا يملكون القدرة على الدفاع عن أنفسهم.
لا يتحقق السلام بتكرار كلمة «السلام». كما أن الدفاع عن حقوق الإنسان لا يتحقق باتهام الضحايا أو إخفاء الأدلة أو المطالبة بجائزة. فالسلام يحتاج إلى الشفافية، واحترام حقوق المدنيين، والتحقيق المستقل، والمساءلة؛ حتى عندما تكون نتائج التحقيق غير مرضية لأصحاب السلطة.
وإلى الناخبين الأمريكيين أقول: قبل أن تمنحوا أي سياسي ثقتكم بسبب وعوده، اسألوه عن عواقب قراراته. واسألوه عمّا إذا كان يمنح حياة الإنسان القيمة نفسها التي يمنحها للسلطة والسمعة وجائزته الشخصية.
إذا كانت هناك جائزة تستحق المطالبة بها، فإن حق الناس في معرفة الحقيقة وحق الضحايا في الوصول إلى العدالة يسبقان المطالبة بجائزة السلام.
أنا لست محاميًا عن السلطة، ولا مدافعًا عن أي حكومة؛ بل أقف إلى جانب الحقيقة وحقوق الإنسان. وبالنسبة إليّ، فإن حياة طفل في ميناب وحياة مواطن في مينيابوليس متساويتان في القيمة؛ فلا علم، ولا أيديولوجيا، ولا منصب سياسي يستطيع أن يجعل دم الإنسان أمرًا لا قيمة له.